الهاشمي
25-09-2001, 15:17
د. عبد الأمير ضاحي محمد
التعليم بين التقنين والإنفتاح (1)
تحتل مسألة التعليم في وقتنا الحاضر مكانة بارزة في معظم دول العالم، وأصبح الحديث اليوم عن التعليم هو حديث عن الاقتصاد والإستثمار للعنصر البشري في عملية التنمية الشاملة للمجتمع في حاضره ومستقبله. وفي ظل التطورات الجديدة التي تمر بها بلادنا العزيزة لابد لنا من وقفة صريحة نناقش فيها ما يدور في مدارسنا لكي نتحمل معا كإدرايين ومربين وأولياء أمور وطلبة مسؤوليتنا المشتركة في تطوير الواقع التعليمي وتحسين مخرجاته. وأصبح من حق كل مواطن في مرحلة ما بعد الميثاق أن ينال من التعليم ما يرتقي به إلى مستوى الكفاءة لأن يكون مواطنا صالحا وفاعلا في مسيرة التنمية لوطنه تحقيقا لتطلعات الجماهير والقيادة السياسية الرشيدة في بناء غد أفضل لهذه الأمة. وسيتناول حديثنا اليوم قضية التعليم في جوانبها المباشرة والغير مباشرة والأدوار التي يجب أن تطلع بها المدرسة في المرحلة الراهنة.
1- التعليم في الإطار الرسمي:
يعبر عن التعليم في المدرسة وفقا لرأي Macdonald "بالوسيط العملي" الذي تبرز فيه مماراسات التدريس الرسمية وتعلم الطالب على حد سواء. وبمعنى آخر، فالتعليم هو النظام الاجتماعي الذي يجمع بين ماهو رسمي يتمثل في المدرسة وأنظمتها الإدارية والتعليمية؛ وما هو شخصي يمثل حاجات وأهداف المتعلمين للتعلم. وفي ظل هذا الإطار يتم تحديد عناصر العملية التربوية: البشرية والمادية، و وضع الآليات الإدارية اللازمة التي تساعد على تفاعلها في ظل نظام تعليمي موجه يسعى لتحقيق مخرجات تعليمية بمواصفات ومقاسات خاصة تلبي حاجات وتطلعات النظام السياسي الذي يحكم المجتمع . ووفقا لهذا المفهوم التقنيني حاولت المدرسة أن تؤطر عمليات التعليم والتعلم طوليا وأفقيا بواسطة مناهج المواد التعليمية التي صممت لتفرغ محتوى تعليميا في مجالات متنوعة وفق التنظيم المنطقي للمواد الدراسية والخصائص العقلية للطلبة. كما قامت المدرسة باستخدام الإختبارات التي يعتمد في غالبها الورقة والقلم لقياس مقدار التعلم الأكاديمي والتصديق الرسمي على حدوث هذا التعلم (إتقان كفايات أو إمتلاك مهارات معينية).
إن الدور الرسمي للمدرسة ساعد في تقنين عملية التعليم والمعرفة، وأوجد نظاما متماسكا يسهل على المجتمع نقل تراثه المعرفى إلى الأجيال الصاعدة ، وأستطاع أن يلبي الحاجات المتزايدة للتعليم عبر الآلة التعليمية الضخمة للمدرسة ولكنه أصبح في يومنا هذا عاجزا عن سد الفجوات الكثيرة التي تكتنف عملية النقل المعرفي ومواكبة التطورات المتلاحقة للثورة التكنولوجية. وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك شعورا متزيدا بين أوساط الطلاب بأن التعليم الرسمي للمدرسة لم يعد يثيرهم أو يخلق الدافعية لهم نحو التعلم. وهذا يقودنا إلى طرح التساؤولات حول الأسباب التي تكمن وراء بروز هذه الظواهر الاجتماعية والبحث عن الحلول الممكنة التي تسهم في إيجاد المناخ الملائم لتفعيل دور المدرسة كمؤسسة اجتماعية تسهم في تربية وإعداد أجيال المستقبل.
2- القراءة المقلوبة للعملية التعليمية:
إن النظام المدرسي في نشأته وتطوره لم يخرج من دائرة التقنين التي ساهم في تركيب أجزائها أصحاب السياسة ورجال الأعمال وعلماء النفس والتربية. فلا زال يحكم العمل في هذا النظام ثلاث قوى رئيسية هي: المنهج التعليمي، والوقت الدراسي، ونظم وسياسات التقويم.
وهذه القوى تفرض على العاملين في المدرسة - في مختلف مواقعهم التعليمية والإدارية- واقعا إداريا يصعب الإنفلات من قيوده وضوابطه، وبالتالي تصبح القوة الدافعة والمحركة للعمليات المدرسية هي القوة المحصلة لهذه القوى والتي تتمثل في تخريج الطلبة في مرحلة تعليمية معينة بإتقان كفايات أو مهارات معينة في المواد التعليمية التي يتلقونها. لذلك برزت الإمتحانات المتنوعة كحاجة ملحة في ظل النظام الرسمي للتعليم حتي يمكن التحكم بصورة فنية دقيقة فيما يتم تعليمه من الكفايات أو المهارات المطلوبة داخل الصف المدرسي، وممارسة الفرزالاجتماعي بمبررات إدارية وفقا للمستوى التحصيلي، والحصول على المصداقية العلمية في تعميم هذه النتائج ونشرها. ولعل ما يحدث هنا هو القراءة المقلوبة لعمليات التعليم والتعلم والتي تجرى على قدم وساق طوال العام الدراسي، فكيف يتم ذلك؟
إن سيطرة الإنموذج الفني للتعليم في مدارسنا هو الذي يفسر الخطأ في عملية القراءة ويكرس حالة اللاتغيير في المماراسات التربوية. وقد ناقشنا في موضوع سابق المنطلقات النظرية الرئيسية لهذا الإنموذج التي يرتكز عليها في تفسير عملية التعليم داخل الصف الدراسي. وطبقا للنظرية السلوكية فإن عمليات التعلم يمكن إختزالها في روابط ثنائية بين المثيرات والإستجابات المتكررة ومايرافقها من عمليات تعزيزية، ولذلك يمكن إحداث أي نوع من أنواع التعلم وقياسه بالصورة المطلوبة إذا تم تحديده وتعيين نوعيته في بداية الأمر. فالتعلم هو شيء خارجي يمكن التحكم فيه أو تعديل مساره عن طريق قوانين التعلم وأساليب الترغيب حتى يمكن لأي متعلم في أي مرحلة الوصول إلى الكفاية المطلوبة التي ينشدها بمنطق نظرية بلوم للتعلم المعرفي.
إن قراءة قصة التعلم في الصف المدرسي بدأت من نهايتها (نواتج التعلم) وبالتالي فهمت عمليات التعلم بصورة ميكانيكية مع بتر متعمد لفصول القصة الآخري من تاريخ المتعلمين، وشخصية المعلم، والعلاقات الصفية، والمنهج الصفي، ومراحل التعلم عند كل متعلم، وغيرها من الإمور المرتبطة بالعمليات العقلية والنفسية والاجتماعية التي تصاحب عمليتي التعليم والتعلم داخل الصف المدرسي. وبناء على هذه المقدمات تم ترجمة عمليات التعليم والتعلم في المدرسة إلى معادلة صناعية يتم عبرها صهر المتعلمين بمختلف قابلياتهم في بوتقة واحدة لتشكيلهم وتخريحهم بالمواصفات المطلوبة (مدخلات + عمليات -----> مخرجات).
وإستنادا على هذه المرتكزات النظرية تم دفع النظام المدرسي ليركز على نتاجات التعلم وإهمال الجوانب الشخصية والإجتماعية في العملية التعليمية، وتم صياغة المناهج المدرسية لتفي بمتطلبات أكاديمية وتقتصر على تقديم كم هائل من المعارف والحقائق مع ترك حيز صغير لمهارات التفكير العليا تدرس بصورة مبتورة وفي مواقف غير عملية. وأصبح هم الإدارات المدرسية برمجة خططها وأعمالها لكي تسير وفق غاية نهائية محددة هي رفع المستوى التحصيلي لدى الطلبة في نهاية العام الدراسي.
وحيث أن التحصيل الأكاديمي يمثل الصورة الكلية لعملية التعلم في هذا الإنموذج، فإن المعلم تم صياغة تفكيره في إجراءات مقننة تلاحق مايتقنه طلبته من كفايات المواد التعليمية وإعداد الإختبارات التي تقيس هذه الكفايات كمحدد لنجاح أو فشل المتعلم. ورغم أنه لا يمكن قبول الرأي
القائل بأن الطالب لم يتعلم مع بقاءه في صفه طوال العام الدراسي، فإن النظام الرسمي للتعليم لا زال يصنف الطلبة بمسميات عقلية معتمدا على المفهوم التقليدي للذكاء العام والذي ثبت بطلانه حديثا. وبالتالي فإن العملية التعليمية لا زالت تسير في نفس الإتجاه التقليدي وإن بدلت التسميات.
و بصورة عامة نستطيع القول إن التركيز على ناتج التعلم (التحصيل الأكاديمي) كمؤشر للتعلم وكمحدد لسلوكيات المعلم والطالب في البيئة التعليمية، أدى إلى فهم ناقص ورسم صورة غير
واقعية عن ما يجري في الصف من أنواع التعلم المصاحبة كالتعلم الغير مقصود، والتعلم الإستكشافي، والتعلم عن طريق الرفاق، والتعلم الذاتي، والتعلم التعاوني. كما إنه يعرض جانبا عن الجوانب الإجتماعية والنفسية والعقلية لعملية التعلم والتي سيتم توضيحها لاحقا.
لقد أصبحت العلاقة بين ما يتعلمه الطالب ونجاحه في المدرسة تتمثل في قدرته على إجتياز لعبة الإمتحانات المدرسية المتنوعة وليس مقدار ما يتعلمه ويكتسبه من خبرات في واقع الأمر. لذلك فإن النظام المدرسي الرسمي كما يشير Fenstermacher لا يساعد على خلق المتعلم الحقيقي بل يشجع الطلبة ويدفعهم للبحث عن طرق النجاح عن طريق إتقان قواعد اللعبة في الإمتحانات الرسمية. وبالتالي فليس على الطالب سوى تركيز جهده - إذا كان يتمتع بقدرات طبيعية- في قراءة الملخصات، والمواضيع التي يحددها المعلم، وأسئلة المراجعة حتى يتمكن من الحصول على ماينشده من تفوق أكاديمي في المدرسة. وبالتالي يتخرج الطالب إلى الحياة العملية بثقافة معرفية عريضة لكنها لا تعينه على خوض معترك الحياة والعمل والتعامل مع الآخرين. وهذا يعني ضمنا بأن مدارسنا تسهم – بقصد أو غير قصد- إلى خلق الإنسان ذو البعد الواحد كما يسميه ماركوز، والذي يحمل أسفارا من المعلومات لكنه لا يفقه إستخدامها وتوظيفها في حياته العملية!!!
[يتبع]
التعليم بين التقنين والإنفتاح (1)
تحتل مسألة التعليم في وقتنا الحاضر مكانة بارزة في معظم دول العالم، وأصبح الحديث اليوم عن التعليم هو حديث عن الاقتصاد والإستثمار للعنصر البشري في عملية التنمية الشاملة للمجتمع في حاضره ومستقبله. وفي ظل التطورات الجديدة التي تمر بها بلادنا العزيزة لابد لنا من وقفة صريحة نناقش فيها ما يدور في مدارسنا لكي نتحمل معا كإدرايين ومربين وأولياء أمور وطلبة مسؤوليتنا المشتركة في تطوير الواقع التعليمي وتحسين مخرجاته. وأصبح من حق كل مواطن في مرحلة ما بعد الميثاق أن ينال من التعليم ما يرتقي به إلى مستوى الكفاءة لأن يكون مواطنا صالحا وفاعلا في مسيرة التنمية لوطنه تحقيقا لتطلعات الجماهير والقيادة السياسية الرشيدة في بناء غد أفضل لهذه الأمة. وسيتناول حديثنا اليوم قضية التعليم في جوانبها المباشرة والغير مباشرة والأدوار التي يجب أن تطلع بها المدرسة في المرحلة الراهنة.
1- التعليم في الإطار الرسمي:
يعبر عن التعليم في المدرسة وفقا لرأي Macdonald "بالوسيط العملي" الذي تبرز فيه مماراسات التدريس الرسمية وتعلم الطالب على حد سواء. وبمعنى آخر، فالتعليم هو النظام الاجتماعي الذي يجمع بين ماهو رسمي يتمثل في المدرسة وأنظمتها الإدارية والتعليمية؛ وما هو شخصي يمثل حاجات وأهداف المتعلمين للتعلم. وفي ظل هذا الإطار يتم تحديد عناصر العملية التربوية: البشرية والمادية، و وضع الآليات الإدارية اللازمة التي تساعد على تفاعلها في ظل نظام تعليمي موجه يسعى لتحقيق مخرجات تعليمية بمواصفات ومقاسات خاصة تلبي حاجات وتطلعات النظام السياسي الذي يحكم المجتمع . ووفقا لهذا المفهوم التقنيني حاولت المدرسة أن تؤطر عمليات التعليم والتعلم طوليا وأفقيا بواسطة مناهج المواد التعليمية التي صممت لتفرغ محتوى تعليميا في مجالات متنوعة وفق التنظيم المنطقي للمواد الدراسية والخصائص العقلية للطلبة. كما قامت المدرسة باستخدام الإختبارات التي يعتمد في غالبها الورقة والقلم لقياس مقدار التعلم الأكاديمي والتصديق الرسمي على حدوث هذا التعلم (إتقان كفايات أو إمتلاك مهارات معينية).
إن الدور الرسمي للمدرسة ساعد في تقنين عملية التعليم والمعرفة، وأوجد نظاما متماسكا يسهل على المجتمع نقل تراثه المعرفى إلى الأجيال الصاعدة ، وأستطاع أن يلبي الحاجات المتزايدة للتعليم عبر الآلة التعليمية الضخمة للمدرسة ولكنه أصبح في يومنا هذا عاجزا عن سد الفجوات الكثيرة التي تكتنف عملية النقل المعرفي ومواكبة التطورات المتلاحقة للثورة التكنولوجية. وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك شعورا متزيدا بين أوساط الطلاب بأن التعليم الرسمي للمدرسة لم يعد يثيرهم أو يخلق الدافعية لهم نحو التعلم. وهذا يقودنا إلى طرح التساؤولات حول الأسباب التي تكمن وراء بروز هذه الظواهر الاجتماعية والبحث عن الحلول الممكنة التي تسهم في إيجاد المناخ الملائم لتفعيل دور المدرسة كمؤسسة اجتماعية تسهم في تربية وإعداد أجيال المستقبل.
2- القراءة المقلوبة للعملية التعليمية:
إن النظام المدرسي في نشأته وتطوره لم يخرج من دائرة التقنين التي ساهم في تركيب أجزائها أصحاب السياسة ورجال الأعمال وعلماء النفس والتربية. فلا زال يحكم العمل في هذا النظام ثلاث قوى رئيسية هي: المنهج التعليمي، والوقت الدراسي، ونظم وسياسات التقويم.
وهذه القوى تفرض على العاملين في المدرسة - في مختلف مواقعهم التعليمية والإدارية- واقعا إداريا يصعب الإنفلات من قيوده وضوابطه، وبالتالي تصبح القوة الدافعة والمحركة للعمليات المدرسية هي القوة المحصلة لهذه القوى والتي تتمثل في تخريج الطلبة في مرحلة تعليمية معينة بإتقان كفايات أو مهارات معينة في المواد التعليمية التي يتلقونها. لذلك برزت الإمتحانات المتنوعة كحاجة ملحة في ظل النظام الرسمي للتعليم حتي يمكن التحكم بصورة فنية دقيقة فيما يتم تعليمه من الكفايات أو المهارات المطلوبة داخل الصف المدرسي، وممارسة الفرزالاجتماعي بمبررات إدارية وفقا للمستوى التحصيلي، والحصول على المصداقية العلمية في تعميم هذه النتائج ونشرها. ولعل ما يحدث هنا هو القراءة المقلوبة لعمليات التعليم والتعلم والتي تجرى على قدم وساق طوال العام الدراسي، فكيف يتم ذلك؟
إن سيطرة الإنموذج الفني للتعليم في مدارسنا هو الذي يفسر الخطأ في عملية القراءة ويكرس حالة اللاتغيير في المماراسات التربوية. وقد ناقشنا في موضوع سابق المنطلقات النظرية الرئيسية لهذا الإنموذج التي يرتكز عليها في تفسير عملية التعليم داخل الصف الدراسي. وطبقا للنظرية السلوكية فإن عمليات التعلم يمكن إختزالها في روابط ثنائية بين المثيرات والإستجابات المتكررة ومايرافقها من عمليات تعزيزية، ولذلك يمكن إحداث أي نوع من أنواع التعلم وقياسه بالصورة المطلوبة إذا تم تحديده وتعيين نوعيته في بداية الأمر. فالتعلم هو شيء خارجي يمكن التحكم فيه أو تعديل مساره عن طريق قوانين التعلم وأساليب الترغيب حتى يمكن لأي متعلم في أي مرحلة الوصول إلى الكفاية المطلوبة التي ينشدها بمنطق نظرية بلوم للتعلم المعرفي.
إن قراءة قصة التعلم في الصف المدرسي بدأت من نهايتها (نواتج التعلم) وبالتالي فهمت عمليات التعلم بصورة ميكانيكية مع بتر متعمد لفصول القصة الآخري من تاريخ المتعلمين، وشخصية المعلم، والعلاقات الصفية، والمنهج الصفي، ومراحل التعلم عند كل متعلم، وغيرها من الإمور المرتبطة بالعمليات العقلية والنفسية والاجتماعية التي تصاحب عمليتي التعليم والتعلم داخل الصف المدرسي. وبناء على هذه المقدمات تم ترجمة عمليات التعليم والتعلم في المدرسة إلى معادلة صناعية يتم عبرها صهر المتعلمين بمختلف قابلياتهم في بوتقة واحدة لتشكيلهم وتخريحهم بالمواصفات المطلوبة (مدخلات + عمليات -----> مخرجات).
وإستنادا على هذه المرتكزات النظرية تم دفع النظام المدرسي ليركز على نتاجات التعلم وإهمال الجوانب الشخصية والإجتماعية في العملية التعليمية، وتم صياغة المناهج المدرسية لتفي بمتطلبات أكاديمية وتقتصر على تقديم كم هائل من المعارف والحقائق مع ترك حيز صغير لمهارات التفكير العليا تدرس بصورة مبتورة وفي مواقف غير عملية. وأصبح هم الإدارات المدرسية برمجة خططها وأعمالها لكي تسير وفق غاية نهائية محددة هي رفع المستوى التحصيلي لدى الطلبة في نهاية العام الدراسي.
وحيث أن التحصيل الأكاديمي يمثل الصورة الكلية لعملية التعلم في هذا الإنموذج، فإن المعلم تم صياغة تفكيره في إجراءات مقننة تلاحق مايتقنه طلبته من كفايات المواد التعليمية وإعداد الإختبارات التي تقيس هذه الكفايات كمحدد لنجاح أو فشل المتعلم. ورغم أنه لا يمكن قبول الرأي
القائل بأن الطالب لم يتعلم مع بقاءه في صفه طوال العام الدراسي، فإن النظام الرسمي للتعليم لا زال يصنف الطلبة بمسميات عقلية معتمدا على المفهوم التقليدي للذكاء العام والذي ثبت بطلانه حديثا. وبالتالي فإن العملية التعليمية لا زالت تسير في نفس الإتجاه التقليدي وإن بدلت التسميات.
و بصورة عامة نستطيع القول إن التركيز على ناتج التعلم (التحصيل الأكاديمي) كمؤشر للتعلم وكمحدد لسلوكيات المعلم والطالب في البيئة التعليمية، أدى إلى فهم ناقص ورسم صورة غير
واقعية عن ما يجري في الصف من أنواع التعلم المصاحبة كالتعلم الغير مقصود، والتعلم الإستكشافي، والتعلم عن طريق الرفاق، والتعلم الذاتي، والتعلم التعاوني. كما إنه يعرض جانبا عن الجوانب الإجتماعية والنفسية والعقلية لعملية التعلم والتي سيتم توضيحها لاحقا.
لقد أصبحت العلاقة بين ما يتعلمه الطالب ونجاحه في المدرسة تتمثل في قدرته على إجتياز لعبة الإمتحانات المدرسية المتنوعة وليس مقدار ما يتعلمه ويكتسبه من خبرات في واقع الأمر. لذلك فإن النظام المدرسي الرسمي كما يشير Fenstermacher لا يساعد على خلق المتعلم الحقيقي بل يشجع الطلبة ويدفعهم للبحث عن طرق النجاح عن طريق إتقان قواعد اللعبة في الإمتحانات الرسمية. وبالتالي فليس على الطالب سوى تركيز جهده - إذا كان يتمتع بقدرات طبيعية- في قراءة الملخصات، والمواضيع التي يحددها المعلم، وأسئلة المراجعة حتى يتمكن من الحصول على ماينشده من تفوق أكاديمي في المدرسة. وبالتالي يتخرج الطالب إلى الحياة العملية بثقافة معرفية عريضة لكنها لا تعينه على خوض معترك الحياة والعمل والتعامل مع الآخرين. وهذا يعني ضمنا بأن مدارسنا تسهم – بقصد أو غير قصد- إلى خلق الإنسان ذو البعد الواحد كما يسميه ماركوز، والذي يحمل أسفارا من المعلومات لكنه لا يفقه إستخدامها وتوظيفها في حياته العملية!!!
[يتبع]