PDA

View Full Version : إصلاح المؤسسة المدرسية: من أين نبدأ؟‏ - د.عبد الأمير ضاحي


الهاشمي
23-09-2001, 09:07
الدكتور عبد الأمير ضاحي هو أخصائي تربوي حاصل على الدكتوراه من جامعة أيروزونا بالولايات المتحدة الأمريكية

موظف بوزارة التربية -بعد حصوله على الدكتوراه تم توظيفه "مدرس نظام فصل بمد رسة الرازي الإبتدائية!!! -


إصلاح المؤسسة المدرسية: من أين نبدأ؟‏

‏ ***كارثة تعليمية***‏

في منتصف الفصل الدراسي الثاني فوجئ الجميع بأن هناك زيارة غير متوقعة من قبل مجموعة من المفتشين لتفقد ‏المدرسة. وبعد عمل متواصل ومكثف لمدة خمسة أيام توصل الفريق إلى رسم الصورة التالية:‏

‏"المدرسة تفتقر إلى التنظيم والانضباط في إنجاز أعمالها. أما البيئة الصفية‎ ‎‏ فهي تفتقر إلى الأولويات الصحية من ‏حيث النظافة، وصلاحية الأثاث، والأضاءة. والتعليم في صفوف هذه المدرسة لا يحقق الأدنى الحد الأدنى للكفايات ‏التعليمية التي يجب أن يتقنها الطلاب. أما الهيئة التعليمية فإنها تعاني من ضعف بارز في إدارة الصف، أو تطبيق نظام ‏التقويم الأساسي، أو التنويع في طرائق التدريس. وبالنسبة لإعمال الطلبة فلا يبدو هناك متابعة وتقويم لها، وهناك ‏تدني واضح في المستوى الأكاديمي للطلبة بصورة خاصة في مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية".‏

‏ من هو المسؤول عما حدث؟‏

يحمل هذا السيناريو في طياته إتهام لأكثر من طرف، فالمدرسة بهيئتيها التعليمية والإدارية، والنظام التعليمي ‏ومؤسساته، وأولياء الأمور، والطلبة أنفسهم لهم نصيب فيما حدث وإن كان بدرجات متفاوتة. وبالرغم من إن ‏هذه حقيقة لاينكرها إلا مكابر فالمدرسة هي من يتحمل النصيب الأكبر في اللوم والتقريع والمحاسبة. وفي العادة ‏تنتهي مثل هذه التقارير برفع توصيات ومقترحات إما بإغلاق المدرسة أو بخطة لإصلاح ما أفسدته الأيام وفقا ‏للنموذج البريطاني!! ‏

ورغم إيماننا بأن المدرسة مطالبة من قبل المجتمع للإطلاع بدورها التربوي الخطير فإن القفز إلى النتائج يقودنا تلقائيا ‏إلى إصدار حكم نهائي يوافق النموذج المدرسي الذي نطمح إليه (المدرسة الفعالة‎ ‎مثلا) وغض الطرف عما يحيط ‏القضية من ملابسات وظروف إجتماعية وسياسية وإدارية. فعناصر العملية التربوية بمعناها الواسع تضم متغيرات ‏داخلية وخارجية: كالتلاميذ، والمعلمين، والمنهج الدراسي، والإدارة المدرسية، والمبنى المدرسي، وأولياء ‏الإمور،والإدارة التعليمية، ومؤسسات المجتمع وغيرها والتي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في رسم تلك ‏الصورة الخارجية التي تسمى بمخرجات التعليم. وحيث إن محور الحديث يدورحول المؤسسة المدرسية فسيتناول ‏موضوعنا العملية الإصلاحية ونماذجها، والإصلاح بمعناه الضيق والواسع، والأبعاد التي ترتبط بهذه العملية في الإطار ‏المدرسي. ‏
موظف بوزارة التربية -بعد حصوله على الدكتوراه تم توظيفه "مدرس نظام فصل بمد رسة الرازي الإبتدائية!!! -

الهاشمي
23-09-2001, 12:05
‏ الإصلاح الواسع والإصلاح الضيق

يرتبط معنى الإصلاح لغة ومفهوما بأزالة الفساد الذي طرأ على شيء ما لجعله صالحا أو نافعا كما كان. وبصورة ‏عامة يمكن القول بأن إصلاح المؤسسة المدرسية علميا هو العمل المخطط والمنظم لإحداث التغييرات المطلوبة من ‏أجل معالجة الخلل الحادث في العملية التربوية وذلك عبر التشخيص الدقيق للمشكلات التي تعانيها المدرسة في ‏بيئتيها: الداخلية (ما يحدث في المدرسة) والخارجية (ما يحدث في المجتمع الخارجي). وبالتالي يمكن القول بأن عملية ‏الإصلاح ‏

إما أن تكون جزئية أو كلية . فعملية الإصلاح الكلية (إحداث التغيير اللازم في البيئتين) هي حالة مثالية أو نادرة ‏ترتبط بوجود هدف عام تسعى مختلف الفئات الاجتماعية لتحقيقه ولا يمكن ذلك إلا في ظل تغييرات غير عادية ‏كالثورات السياسية الشعبية أوالكوارث الطبيعية. ولذلك فعملية الإصلاح التربوي بكل أشكالها تظل دائما عملية ‏غير متكاملة ما لم تحصل على الدعم السياسي والاجتماعي المناسب من أفراد المجتمع. إذن فالحديث عن إصلاح ‏المؤسسة المدرسية هو الحديث عما يمكن أن تصلحه المدرسة في بيئتها الداخلية وما نوع هذا الإصلاح.‏

وعندما نعود إلى التقرير السابق (حالة افتراضية) فإن الآراء تتعدد حول مايمكن عمله لمثل هذه المدرسة. وتتفاوت ‏هذه الآراء من حيث البساطة والعمق في نظرتها لما يجري في المدرسة ولما يسهم فعلا في مساعدة المدرسة الوقوف ‏على رجليها من جديد. ويمكن تقسيم الحلول التي تنبثق من هذه الآراء إلى نوعين. النوع الأول ويتسم بالبساطة أو ‏النظرة السطحية لما يجب عمله لإصلاح الموقف. فعلى سبيل المثال قد تتضمن هذه الإقتراحات‎ ‎تعييين هيئة إدارية ‏وتعليمية جديدة، و تبديل المبنى المدرسي، و تجديد المنهج الدراسي. أما النوع الآخر من الحلول فيسعى أصحابه إلى ‏توفير الشروط المناسبة لنمو المناخ الإيجابي والمنفتح والذي يساعد المدرسة بهيئتيها التعليمية والإدارية للعمل في بيئة ‏ثقافية مختلفة تجدد في أفرادها روح التعاون والعطاء من أجل التغلب على الصعوبات والمشكلات. وبالتعمق في ‏إقتراحات الفريقين، نرى إن الفريق الأول يقدم حلولا جزئية ومؤقتة قد تعالج بعض جوانب المشكلة بينما يسعى ‏الفريق الثاني لوضع خطة بعيدة المدى تتناول المشكلة بأبعادها المختلفة. ‏

وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن عملية الإصلاح ضمن الإطار المدرسي‎ ‎تأتي بشكلين ‏
أحدهما يمثل عملية الإصلاح بمعناها الضيق والتي تتضمن تغييرا محدودا في بعض عناصر العملية التربوية أو بعض ‏جزئيات عمليات التعليم داخل الصف المدرسي. ويشمل ذلك الوسائل والإجراءات والطرائق التربوية، أو إصدار ‏كتب دراسية جديدة، أو إعداد دورات تدريبية للمعلمين. أما الشكل الآخر (وهو النادر) فهو يمثل الإصلاح بمعناه ‏الواسع والذي يتمثل في بناء ثقافة مدرسية جديدة يتم بواسطتها إعادة تعريف لطرائق العمل، والأهداف، ‏والأغراض، والمعتقدات المحيطة بأدوار العاملين في المؤسسة المدرسية. ‏

[يتبع]..

الهاشمي
23-09-2001, 14:05
‏ نماذج الإصلاح: رؤيتين في العمل الإصلاحي
‏ ‏
من حيث التوجهات تمثل المحاولات الإصلاحية نمطين في الرؤية التربوية لمعالجة مشكلات التعليم. أما الرؤية الأولى ‏فقد انبثقت من التفكير الصناعي الذي سيطر على معظم المدارس التربوية في بدايات القرن العشرين والتي تمثلت في ‏تلك المجموعة من الآراء التي حاول بها أصحابها وضع الإطار العلمي لتفسير ما يحدث من عمليات تربوية وتحديد ‏الآليات التي تساعد على تنفيذ نماذجها المقننة في المؤسسة المدرسية. وقد كان لأعمال تايلر، وبابت، وثورندايك، ‏وسكينر، وبلوم اليد الطولى في ترسيخ دعائم المدرسة السلوكية التي احتكرت التنظير التربوي ‏
لفترة من الزمن وأقامت نفسها وصية على مايجري في المدارس ورسم الخطط لحل ما مايجري فيها من مشاكل.‏

أما بالنسبة للرؤية الأخرى فقد تمثلت في مجموعة المحاولات التي قام بها بعض المربين وعلماء النفس لتقديم نموذجا ‏مخالفا للنموذج الآلي لإخراج الإنسان من دائرة الحتميات والروابط الحسية الضيقة إلى عالم الذات الفسيح والمعنى ‏الذى يمكن أن يحققه الفرد في عالم الواقع. وتمثل هذا الإتجاه الإنساني في أفكار ويليام جميس، وديوي، وماسلو، ‏وكارل روجرز والتي أكدت على الدور الذاتي للمتعلم وربط التعليم بالحياة.‏

وبالرغم من تعدد البرامج الإصلاحية للمؤسسة المدرسية، فإنه بناء على ماسبق يمكن القول إنها تقترب بدرجة أو ‏أخرى إلى إحدى المدرستين: المدرسة السلوكية والمدرسة الإنسانية في التخطيط الإداري. ففي ظل أفكار المدرسة ‏الأولى يكون هم القيادة الإدراية للمشروع الإصلاحي هو تحفيز العاملين وتوجيه أنشطتهم لتحقيق أهداف المشروع ‏وتحقيق أفضل النتائج للمؤسسة التي يعملون فيها. بينما تسعى القيادة المنتمية إلى المدرسة الإنسانية لتحريك الطاقات ‏الإبداعية للموظفين وتحفيزهم لبلوغ الأهداف المشتركة في إشباع حاجاتهم ومطالب المؤسسة على السواء.‏


‏ النموذج المغلق والنموذج المفتوح

فنحن أمام نموذجين لإصلاح الواقع التعليمي النموذج الفني الإجرائي والنموذج الإنساني الثقافي. فأولهما يمثل الإتجاه ‏المغلق الذي تتحرك فيه أعمال وأنشطة العاملين نحو غاية واحدة ووفق برنامج عملي محدد. وأهم مايميز هذا الإتجاه ‏هو الصياغة العلمية للعملية الإصلاحية وبرمجتها من حيث التخطيط والتنفيذ والتقويم ورسم الأدوار وتحديد النتائج ‏والأسباب. وبالتالي تتم عملية الإصلاح في صورة رأسية (الإتصال الهابط) حيث يجلس على قمة الهرم الخبراء ‏المنظرون وأصحاب القرار السياسي لإصدار الأوامر والتوجيهات أما العاملون في المدارس فهم عند سفح الهرم ‏ينتظرون للتلقي والتنفيذ. ‏

أما النموذج الإنساني‎ ‎الثقافي فهو يمثل الإتجاه المفتوح والذي حاول به أنصاره الخروج من دائرة التفكير المقنن إلى ‏الحوار المفتوح حول مسارات التعلم واختيار الوسائل المناسبة والمحققة للغايات التربوية التي يتفق عليها المشاركون ‏من ممثلين لشرائح المجتمع من مواطنين ومختصين وأصحاب نفوذ. فعملية الإصلاح من هذا المنظور عملية أفقية ‏‏(الإتصال الصاعد) يتحمل فيها الجميع مسؤولية النهوض بالواقع التعليمي حيث تشكل قاعدة الهرم في هذا النموذج ‏مصدر إلهام وتوجيه لعمل الخبراء وصانعي القرار السياسي.‏

وكتطبيق ميداني لهذبن النموذجين؛ فلو ذهب خبيران لتلك المدرسة المنكوبة أحدهما يحمل في حقيبته خطة فنية ‏للإصلاح والآخر لديه آراء تتفق مع النموذج الإنساني فأن مسار عملية الإصلاح وإجراءاتها، وعمليات التنفيذ ‏والمراقبة, ووسائل التقويم ستختلف كما وكيفا. وسيختلف الأمر كذلك بالنسبة للطريقة التي يشارك بها المجتمع ‏المحلي، ومصادر المعرفة التي ستسخدم، ومسارات العمل التي ستطوى في العملية الإصلاحية.‏

‏ ففي ظل النموذج الفني ستكون لغة الأرقام، والإجراءات المقننة، واستمارت الرصد والمتابعة هي الوسائل التي يمكن ‏عن طريقها ملاحقة التغييرات المنشودة والتأكد من درجة الصدق لتطبيق الخطة الإصلاحية في الواقع. أما النتائج ‏المنشودة في ظل النموذج الإنساني فيتم متابعتها من خلال مايقرأه الباحث في محاوراته للمجتمع المحلي وما يرصده ‏من تغييرات حقيقية في المشاهدات الميدانية. فمصدرالمعرفة اذن في الحالة الأولى ثابته ومعلبة وفقا لخليط من النظريات ‏والمبادئ التربوية، أما مصدرها في الحالة الثانية فهي تفاوضية تجمع بين الفكر النظري للمتخصصين والمعرفة العملية ‏للعاملين.‏


‏ أما بالنسبة للقرارات في النموذج الفني فهي تتركز في يد أهل العلم والخبرة والمال، وبالتالي فالعاملون لا يملكون ‏حق التفكير والإرادة إلا في حدود مايرسم لهم من أدوار ووظائف. أما ‏
العاملون في ظل النموذج الإنساني فهم يشاركون بمختلف خبراتهم في وضع عناصر خطة الإصلاح ويعملون وفقا ‏للمسؤوليات والمهام المناطة بهم كل حسب قدرته وكفاءته العلمية. ‏

‏ وكذلك الأمر بالنسبة لمسارات العمل فهي تختلف؛ ففي النموذج الفني يتحكم التفكير المنطقي المتسلسل الذي يرى ‏تتابع العمل في مراحل ضمن منظومة متناغمة والتي يمكن التحكم فيها عن بعد عن طريق ما يسمى بضبط المتغيرات، ‏وبالتالي يتم التخطيط للفعل، ثم تأتي مرحلة الفعل، وفي النهاية تكون عملية التقويم (المنهج الكمي). وعلى النقيض ‏من ذلك يكون التخطيط متشعبا ومتغيرا في النموذج الإنساني بحيث يتم التركيز على مايمكن إصلاحه واستيعاب ‏مايحدث في الواقع من مستجدات وردود أفعال غير متوقعة أثناء العمل (المنهج النوعي) .‏

[يتبع]

الهاشمي
23-09-2001, 14:32
‏ المركزية واللامركزية في العمل الإصلاحي

ويبرز في الجانب الإداري لمشروع العمل الإصلاحي مسألتين رئيسيتين وهما: هل سيتم إدارة هذا المشروع بصورة ‏آحادية عن طريق القائد الواحد أو عن طريق الصفوة من أهل الكفاءة العلمية؟ أم سيتم إدارته بصورة تعاونية حيث ‏يتقاسم الجميع حصصهم في تحمل المسؤولية؟ فالطريق الأول يقودنا إلى مايسمى بمركزية الإدارة، وأما الطريق الثاني ‏فنتجه فيه نحو اللامركزية في الإدارة. ‏

وفي ظل هذا التقسيم يمكن القول بأن المركزية بما تعنيه من تركز للقرارات وسلطة التطبيق في يد الأقلية (القائد أو ‏النخبة) هي الآلة التي يمكن عبرها توفير الغطاء الإداري والسياسي للنموذج ‏
الفني الإجرائي، بينما توفر اللامركزية بما تعنيه من تقاسم للمسؤولية الإدارية وتوزيع متكافئ لموازين القوى بين ‏العاملين المناخ الديمقراطي المناسب لإدارة مشتركة للمشروع الإصلاحي في ظل النموذج الإنساني الثقافي. ‏

وحيث إنه في عالم الواقع لا يمكن بصورة مطلقة تطبيق هذه الصورة النظرية البحته، فأنه من الضروري أن نبين بأن ‏ألاعيب التحالفات والمساومات السياسية تلعب دورا حاسما ونهائيا في إقرار شكل الخطة النهائية للإصلاح في جميع ‏المحتمعات. وانتصارا لمبدأ الواقعية فإن الميدان العملي بحتم علينا الاستخدام المزدوج لكلا النموذجين (المركزية ‏واللامركزية) في إدارة الإمور وفقا لمتطلبات الموقف والظروف الموضوعية التي تحيط بالمشروع كالتمويل، والتدريب، ‏والإشراف الفني، واتخاذ القرارات، الخ. كذلك تلعب الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية دورها في إختيار ‏النموذج الإداري الذي ينسجم مع مجتمع دون آخر. ففي البلدان الفقيرة مثلا لا بد من توافر الظروف الموضوعية ‏اللازمة من علم وتخطيط وإدارة قوية وحازمة حتى يتمكن أهلها من الوقوف بقوة على أرض الواقع. بينما حين ‏يتصل الأمر بأدارة نفس المشروع في أي مجتمع وصل فيه النضج السياسي والفكري إلى درجة عالية فإن الأمر يكون ‏ممستهجنا حين تنفرد مجموعة من الأفراد برسم سياسات التعليم وكأن لوحدها فقط حق التفكير والتنظير في الميدان ‏التربوي! ‏

‏ ‏




‏ ما التغيير الذي يجب أن ننشده في مدارسنا؟‏

وهذا يقودنا إلى سؤال منطقي أخير وهو ما نوع التغيير الذي تحتاجه مدارسنا؟ و يتفرع من هذا السؤال أسئلة ‏أخرى تتعلق بالنموذج المدرسي الذي نشتق منه فلسفتنا في التغيير وتطوير العملية التربوية ضمن هذا النموذج وهذا ‏سيفرد له موضوع آخر. وعودة إلى مثالنا عن المدرسة المنكوبة‎ ‎فإن التغيير المطلوب في هذه الحالة يجب أن يتم على ‏جميع الأصعدة فنحن بحاجة إلى إعادة النظر في نوعية المناهج المطبقة (الخبرات التعليمية)، وعمليات التعليم والتعلم ‏التي تحدث في الفصل، ووسائل التقويم المستخدمة. كما إننا نحتاج إلى معرفة خصائص المجتمع المحلي للمدرسة من ‏هيئة إدارية، وكادر تعليمي، ومتعلمين حتى نتمكن من توفير العلاج المناسب للمشكلات الخاصة بهذه المدرسة.‏

وعودة إلى السؤال الإفتتاحي حول نقطة الإنطلاق لإصلاح المؤسسة المدرسية، فإن نقطة البداية في نظري تتمثل في ‏التحرك من داخل المدرسة وليس العكس. فالتغيير الذي يتم عن طريق الإختيار ولإقتناع والمشاركة في التخطيط له، ‏وتنفيذه، وتقويمه من قبل العاملين في المدرسة هو الذي يمكن أن تستمر آثاره وتجنى ثماره على المستويين المحلي ‏والخارجي للمدرسة. فحين يتحمل العاملون مسؤولياتهم بصدق وإخلاص، ويعمل الجميع بروح الفريق الواحد، ‏ويستخدم النقد الذاتي كمنهجية عمل فإن المدرسة تستطيع خلق البيئة الثقافية المناسبة للعمل ويمكن للمعلمين ‏والتلاميذ معا بلوغ أهدافهم. ‏

وفي ظل هذه البيئة الثقافية يمكن للعاملين بالمدرسة من اكتساب الاتجاهات والقيم المحفزة لعمليات التطوير في ‏المؤسسة المدرسية والتي تسهم في تحقيق الأهداف المعرفية والنفسية والاجتماعية للعملية التربوية. وأهم مايجب توفيره ‏لخلق مثل هذه الثقافة الجديدة هو وجود قيادة ‏
تربوية واعية تمتلك المهارات اللازمة لقيادة عمليات التنشئة والتغيير التي يمر بها العاملون وهم ينتقلون من إطار ثقافي ‏مرجعي إلى آخر حتى يمكنهم تدريجيا القبول بالمهارات والسلوكيات التي تتطلبها أدوارهم في البيئة العملية الجديدة. ‏وبالإضافة إلى وجودالصلاحيات، والوقت، والاستقلال الذاتي الذي يمكن المعلمين من ممارسة هذه الأدوار في ‏المدرسة بدون قيود أو رسميات. ولعل أهم الملامح البارزة التي تطالعنا بها المدرسة التي تمتلك مثل هذه الثقافة هي ‏كالتالي:‏

‏- وجود دعوة مفتوحة لتعلم الجميع والإلتحاق بالمدرسة بغض النظر عن خصائصهم العقلية والاجتماعية ‏والإقتصادية.‏
‏- وجود القيادة التربوية التي تمتلك المهارات العلمية والنفسية والاجتماعية والتي تمكنها من تحمل أعباء ‏المسؤوليات الإدارية وقيادة المعلمين لإشباع حاجاتهم المهنية وتحقيق أهداف المؤسسة المدرسية.‏
‏- وجود المعلم المربي الذي يسعى لتطوير نفسه في المهنة، وتكوين علاقات اجتماعية سليمة مع زملائه، ‏والعمل مع الآخرين فى تنفيذ مشروعات مشتركة، والتواصل الفعال مع المجتمع الخارجي لدفع عجلة ‏العملية التعليمية إلى الأمام.‏
‏- وجود المناهج التي تتضمن أنشطة وخبرات ترتبط بحياة التلاميذ وواقعهم، وتشبع حاجاتهم النفسية ‏والاجتماعية، وتنمي لديهم مهارات التفكير والتواصل الاجتماعي.‏
‏- وجود بيئة صفية آمنة ومريحة للتلاميذ تشجعهم على التعبير بحرية عن آرائهم، وتوفر لهم الأدوات ‏والمصادر اللازمة للتعلم الذاتي والاجتماعي، وتحفز لديهم حب المعرفة والاكتشاف والتجريب. ‏