PDA

View Full Version : من عوامل الانحراف السلوكي لدى الطفل


إسمهان
03-09-2001, 21:36
إن المشاكل السلوكية لدى الأطفال ترجع في الأصل إلى عوامل تأخذ مسارها في فترة ما قبل الولادة، بل غالباً قبل الحلم ذاته فيعود تاريخها إلى طفولة الأهل أنفسهم ونوعية شخصياتهم ولأسلوب الحياة العائلية الذي نشأوا عليه ثم إلى ذلك القدر من الحب والحنان الذي نموا في ظلاله. ذلك إن الطفل الذي ينشأ منذ ولادته محروماً من العطف والمحبة يصبح حين يكبر عاجزاً عن أخذ أو إعطاء أدنى شعور وجداني رفيع. ومن هنا فإن الطفل الذي يعاني الحرمان والإهمال من والديه يكون سبب ذلك غالباً هو معاناة أحد الوالدين من طفولة تعيسة مترعة بالحرمان. وإذا كان الأهل قد لاقوا صنوف العقاب والضرب في مراحل طفولتهم فقد مارسوا الأسلوب نفسه مع أطفالهم.وجدير بالذكر، أن الأهل يتأثرون تأثراً بالغاً بالوضع الاجتماعي الذي نشأوا في كنفه وبشخصيات وانطباعات ذويهم أيضا. كما يعتبر مقدار ما يتلقاه الأهل من مشاعر الحب والإحساس بالأمان في مراحل طفولتهم المبكرة من أهم العوامل المؤثرة بعد ذلك في تنشئة أطفالهم.ومن العوامل السلوكية المؤثرة أيضاً في فترة ما قبل الحمل هو استقرار الأبوين العملي والوظيفي. ومن المعروف أن التوتر النفسي لدى الأم الذي كثيراً ما تصاب به الأم في تلك المجتمعات قد يؤدي إلى تفاعلات غير مرغوب فيها في طريقة تعامل الطفل مع مجتمعه وعناصر بيته وقد يؤدي إلى اضطرابات في سلوكه.والطفل الذي لم يتوجه إليه توجهاً كافياً من ناحية الأبوين، يكون في مستقبل عمره سيئ العمل، ويفرط في الخشونة مع أولاده ومع غيرهم، كأنه يريد بذلك ملأ فراغه النفسي، حيث يحس بعدم الأمن وبالخطر المطارد له، بينما إذا توجه الأبوان إليه برعاية زائدة عن الحد، يصبح الولد مهزوز الشخصية، ومتزلزل الإرادة ولا يتمكن من الاستقامة في مستقبل أمره، وغالباً ما يكون مثل هذا الشخص عاطلاً، ولا يتمكن من التقدم، أما الأبوان المعتدلان في التربية بلا مسامحة، ولا إفراط، بدون عصبية وليونة، فهما يهيئان المناخ الملائم لنمو الطفل نمواً صحيحاً خالياً عن التعقيد والانفلات.بل الأطباء يقررون أن كلاًّ من التشديد والتساهل في أمور الطفل الجسدية يسبب له أمراضاً مستقبلية، فتجنيبه الحر والبرد، وحفظه عن المآكل المتعارفة إلى المآكل اللذيذة، يسبب له أمراضاً، كما أن عكسه ـ بعدم الاعتناء بأكله ولباسه ونظافته ونومه ووقايته عن الحر والبرد المتناهيين ـ يسبب له نوعاً آخر من الأمراض.وقد ورد في الحديث: (خير الأمور أوسطها) نهج البلاغة، صالح، ص429, وفي الآية الكريمة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) سورة البقرة آية 143.وقد قرر علماء الأخلاق لزوم التوسط، وإلا كان سوءاً. مثلاً: الإفراط والتفريط في الكرم والشجاعة، بخل وإسراف، وجبن وتهور وهكذا.في رأي كثير من أخصائيي تربية الطفل أن لفظ طفل غير منتظم هو لفظ خاطئ فالطفل يتفاعل مع الأحداث بالطريفة التي اعتادها من قبل أهله وأورثوها له ومن هنا كان الاعتراض على عيادات ترشيد سلوك الأطفال، لأن الذين يحتاجون للترشيد والعلاج بالفعل هم الأهل أنفسهم وليس أطفالهم. ومن المؤكد أن الطفل يتأثر تأثراً بالغاً بسلوك أهله وانطباعاتهم وأساليب تكيفهم مع أحداث الحياة من حولهم بل أن سعادتهم أو شقاءهم وتطاحناتهم المنزلية تنعكس بصورة مباشرة على نفسية وسلوك الطفل وتلازمه مدى الحياة.يرجع العلماء أن السلوكيات التي تتحدد صورتها بدءاً من العام الثاني نتيجة التصورات التي تطرأ في شخصية الطفل إنما تتكون خلال العام الأول في أثناء التطور العقلي للطفل وتفاعله مع الأشخاص المحيطين به بالإضافة إلى أن كثير من تصرفات الأهل في إطار تربية أطفالهم تعتبر من العوامل المهمة التي تحدد مظاهر السلوكيات. وليس عسيراً أن نلاحظ أن الرضيع الذي لم يتجاوز يومه الأول لا يكف عن الصراخ لا لإطعامه أو لتغيير أرديته ولكن لمجرد حمله واحتضانه ومن ذلك اليوم فصاعداً يزداد إلحاح الطفل في طلب الحب والأمان وبدءاً من الأسبوع الثالث أو الرابع تبدو للجميع بوضوح مظاهر الابتهاج على الطفل حينما يحادثه أحد أو يحمله أو يداعبه فتهدأ حركة أنفاسه ويفتح فمه ويغلقه ويميل برأسه للأمام والخلف ويتأمل وجه أمه بإمعان، وبعد ذلك بأسبوعين أو ثلاثة يبدأ في التعبير عن فرحه بالابتسام والمناغاة وتزداد حاجة الطفل إلى أن يُحمَل ويُحتضن ومع الوقت يأبى أن يغيب عن ناظريه وجه أمه ولا يمكن أن يعوضه عن أمه أو أبيه أي مدرسة داخلية ومهما كان مستواها في الرقي..إن الكآبة التي يصاب بها الطفل في المجتمعات الغربية والتي غالباً ما تؤدي إلى أمراض نفسية بعضها يقوده إلى الانتحار هو غياب أمه عن المنزل ولفترات طويلة لا يمكن له أن يتحملها ويستوعبها كطفل. وهذا من الممكن أن يقوده لأي سلوك لا يمكن التنبؤ بأضراره وممكن أن يقوده إلى محاولة الانتحار، دونما يعرف لماذا وما هو فاعل، وهذه الحالة التي يصل إليها الطفل في المجتمعات الغربية ما هي إلا نتيجة لغياب الأم والأب وانشغالهم في أمور تعتبر ثانوية ومهما تكن أهميتها، فإنها لا تعادل ضياع الطفل وتدمير شخصيته، وبالتالي صعوبة معالجة الحالة حيث ينشأ الطفل غير سوي من الناحية النفسية وغير قادر على الاندماج في المجتمع مما يحمله على الانزواء والعزلة.وقد أعطى الإسلام معالجات واقعية للتربية، تحدثت عنها مئات الأحاديث الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وعن أهل بيته الأطهار (عليهم السلام) بحيث تشكل برنامجاً متكاملاً لهذا الحقل الهام في حياة الإنسان على هذه البسيطة.